إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
250
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
وَقَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يَقْضِي بِهِ الْعَقْلُ يَكُونُ حَقًّا ( 1 ) ، وَلِذَلِكَ تَرَاهُمْ يَرْتَضُونَ الْيَوْمَ مَذْهَبًا ، وَيَرْجِعُونَ عَنْهُ ( 2 ) غَدًا ، ( ثُمَّ يَصِيرُونَ بَعْدَ غَدٍ ) ( 3 ) إِلَى رَأْيٍ ثَالِثٍ . وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَقْضِي بِهِ حَقًّا ( 4 ) لَكَفَى فِي إِصْلَاحِ مَعَاشِ الْخَلْقِ وَمَعَادِهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لِبَعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ ( السَّلَامُ فَائِدَةٌ ، وَلَكَانَ ( 5 ) عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُعَدُّ ( 6 ) ) ( 7 ) الرِّسَالَةُ ( 8 ) عَبَثًا لَا مَعْنَى لَهُ ، وَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ ، فَمَا ( 9 ) أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ . فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُمْ قَدَّمُوا أَهْوَاءَهُمْ عَلَى الشَّرْعِ ، وَلِذَلِكَ سُمُّوا - فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ ، وَفِي إِشَارَةِ الْقُرْآنِ - أَهْلَ الْأَهْوَاءِ ( 10 ) ، وَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْهَوَى عَلَى عُقُولِهِمْ وَاشْتِهَارِهِ فِيهِمْ ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بالمشتق إنما تطلق ( 11 ) إِطْلَاقَ اللَّقَبِ إِذَا غَلَبَ مَا اشْتُقَّتْ مِنْهُ عَلَى الْمُسَمَّى بِهَا ، فَإِذًا تَأْثِيمُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ظَاهِرٌ ، لِأَنَّ مَرْجِعَهُ إِلَى اتِّبَاعِ الرَّأْيِ ، وهو اتباع الهوى المذكور آنفاً . والرابع : أَنَّ كُلَّ رَاسِخٍ لَا يَبْتَدِعُ أَبَدًا ، وَإِنَّمَا يقع الابتداع ممن لم يتمكن في ( 12 ) الْعِلْمِ الَّذِي ابْتَدَعَ فِيهِ ، حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الحديث ( 13 ) ، ويأتي تقريره بحول الله ( 14 ) .
--> ( 1 ) تقدم الكلام على العقل وقصوره في بداية الباب الثاني ( ص 62 - 64 ) . وسيفرد المؤلف لهذا الموضوع فصلاً مستقلاً في الباب العاشر ، حيث سيذكره كسبب من أسباب الابتداع ( 2 / 318 - 337 ) . ( 2 ) ساقطة من ( غ ) و ( ر ) . ( 3 ) ما بين المعكوفين ساقط من ( ت ) . ( 4 ) مطموسة في ( ت ) . ( 5 ) في ( غ ) : ولو كان . ( 6 ) في ( م ) : " يعد " ، وفي ( خ ) : " بعده " ، وفي ( غ ) : " بعد " ، وفي ( ر ) : " بعث " . ( 7 ) ما بين المعكوفين مطموس في ( ت ) . ( 8 ) في ( غ ) و ( ر ) : الرسل . ( 9 ) في ( م ) : " مما " . ( 10 ) أما الحديث الذي سموا فيه بأهل الأهواء ، فهو حديث عائشة وقد مر ذكره والحكم عليه ( ص 90 ) ، وأما الآيات فقد تقدم ذكر المؤلف لها في الوجه الخامس من أوجه ذم البدع من جهة النظر ( ص 70 - 72 ) . ( 11 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ط ) : " يطلق " . ( 12 ) في ( ط ) : " من " . ( 13 ) لعله يريد حديث عبد الله بن عمرو المتقدم : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الناس ) إلى قوله : حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوساً جهالاً فسألوهم فأفتوهم فضلوا وأضلوا ) ، وقد تقدم في الباب الثاني ( ص 125 ) . ( 14 ) وذلك في الفصل الآتي ( ص 275 ) ، وانظر بداية الباب الرابع أيضاً .